مجتمع يبرر الخطأ.. إلى أين نسير؟
الإثنين، 09 فبراير 2026 03:37 م
ولاء عزيز
لم يعد السؤال اليوم: لماذا تحدث الجرائم أو الانتهاكات؟.. السؤال الأخطر أصبح: لماذا أصبحنا نجد من يبررها؟
المؤلم ليس فقط ما يحدث من وقائع عنف أو تحرش أو اعتداء، المؤلم أكثر هو رد الفعل المجتمعي الذي بات في أحيان كثيرة أكثر قسوة من الواقعة نفسها.
أصبحنا نرى ظاهرة مقلقة: بدل أن يقف المجتمع بجانب الضحية، يقف قطاع منه في مواجهة الضحية نفسها.
هل ملابسها كانت مناسبة؟.. لماذا كانت في هذا المكان؟.. لماذا لم تصمت؟.. لماذا تحدثت الآن؟
أسئلة ظاهرها تحقيق العدالة، لكن حقيقتها أحيانًا تكون هروبًا من مواجهة المشكلة الحقيقية.
لم نعد فقط نتفرج، أحيانًا أصبحنا نبرر، وكنا قديمًا ننتقد مجتمعات أخرى لأنها "مجتمعات فردية"، نقول إنهم لا يتدخلون إذا تعرض شخص للأذى، لكن الواقع الآن يفرض علينا سؤالًا صعبًا: هل أصبحنا أسوأ؟، لأن التفرج على الخطأ شيء، لكن الدفاع عنه شيء آخر أخطر بكثير.
عندما يتحول الجاني في نظر البعض إلى شخص يستحق التفهم، وتتحول الضحية إلى شخص يجب أن يبرر وجوده أو تصرفه، فهنا نحن لا نتحدث عن أزمة سلوك فردي، بل عن خلل في الضمير الجمعي.
كيف وصلنا إلى هنا؟.. هناك أسباب كثيرة، لكن أخطرها ربما:
١- إرهاق المجتمع نفسيًا واقتصاديًا، عندما يعيش الناس تحت ضغط دائم، تتراجع حساسيتهم تجاه معاناة الآخرين.
٢- السوشيال ميديا وثقافة المحاكمة السريعة، أصبح كل شخص قاضيًا، لكن دون مسؤولية، ودون معلومات كافية.
٣- الخوف من مواجهة الحقيقة، أحيانًا يكون أسهل أن نلوم الضحية بدل الاعتراف بوجود مشكلة حقيقية داخل المجتمع.
٤- اختلاط القيم بين الأجيال، جيل يرى الصمت حكمة، وجيل يرى الكلام ضرورة، وبين الاثنين تضيع الحقيقة أحيانًا.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن تحدث فيه جريمة، بل أن يبدأ في تقبلها أو تبريرها أو التقليل منها، لأن المجتمع عندما يفقد قدرته على الغضب من الخطأ، يفقد أهم وسيلة لحماية نفسه.
الحقيقة التي لا نحب سماعها، أي مجتمع يُهاجم الضحية، سيُنتج ضحايا أكثر، وأي مجتمع يُبرر الخطأ، سيجد نفسه يومًا ما يدفع ثمن هذا التبرير.
نحن أمام لحظة اختبار حقيقية، إما أن نعيد التأكيد أن الحق هو الحق بغض النظر عن الأشخاص أو الظروف، أو نسمح بتكوين بيئة يصبح فيها الصمت هو القاعدة، والخوف هو اللغة، والتبرير هو العادة.
أخيرا.. المجتمع القوي ليس الذي لا تحدث فيه أخطاء، بل الذي يرفض الخطأ عندما يحدث.
والمجتمع الذي يهاجم الضحية بدل حمايتها، هو مجتمع يحتاج أن يراجع نفسه قبل أن يفقد إنسانيه.